عبد الله بن أحمد النسفي

342

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 65 إلى 66 ] فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 65 ) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ( 66 ) ولو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم مع استغفارهم واستغفار الرسول لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً لعلموه توابا أي لتاب عليهم ، ولم يقل واستغفرت لهم وعدل عنه إلى طريقة الالتفات تفخيما لشأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » وتعظيما لاستغفاره وتنبيها على أنّ شفاعة من اسمه الرسول من اللّه بمكان رَحِيماً بهم ، قيل جاء أعرابي بعد دفنه عليه السّلام فرمى بنفسه على قبره وحثا من ترابه على رأسه وقال يا رسول اللّه قلت فسمعنا وكان فيما أنزل عليك : ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم ، الآية ، وقد ظلمت نفسي وجئتك أستغفر اللّه من ذنبي فاستغفر لي من ربي فنودي من قبره قد غفر لك . 65 - فَلا وَرَبِّكَ أي فو ربّك كقوله : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ « 2 » ولا مزيدة لتأكيد معنى القسم ، وجواب القسم لا يُؤْمِنُونَ أو التقدير فلا ، أي ليس الأمر كما يقولون ، ثم قال وربّك لا يؤمنون حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ فيما اختلف بينهم واختلط ، ومنه الشّجر لتداخل أغصانه ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً ضيقا مِمَّا قَضَيْتَ أي لا تضيق صدورهم من حكمك ، أو شكّا ، لأنّ الشاكّ في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً وينقادوا لقضائك انقيادا ، وحقيقته سلّم نفسه له وأسلمها ، أي جعلها سالمة له خالصة « 3 » . وتسليما مصدر مؤكد للفعل بمنزلة تكريره ، كأنّه قيل وينقادوا لحكمه « 4 » انقيادا لا شبهة فيه بظاهرهم وباطنهم ، والمعنى لا يكونون مؤمنين حتى يرضوا بحكمك وقضائك . 66 - وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ على المنافقين ، أي ولو وقع كتبنا عليهم أَنِ اقْتُلُوا أن هي المفسرة أَنْفُسَكُمْ أي تعرّضوا للقتل بالجهاد ، أو ولو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ بالهجرة ما فَعَلُوهُ لنفاقهم ، والهاء ضمير أحد مصدري الفعلين ، وهو القتل أو الخروج ، أو ضمير المكتوب لدلالة كتبنا عليه إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ قليلا شامي على الاستثناء ، والرفع على البدل من واو فعلوه وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ من اتباع رسول

--> ( 1 ) في ( ز ) لشأنه صلى اللّه عليه وسلم . ( 2 ) الحجر ، 15 / 92 . ( 3 ) في ( ز ) أي خالصة . ( 4 ) في ( ز ) لحكمك .